نحن نستورد ادوات المدنية ، لكن لا نتعامل معها بشكل حضاري
من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر
ليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي.


الباحث الجزائري الدكتور بدران بن لحسن لـ “الحوار“ :

النّقد في عالمنا الإسلامي عملة نادرة مالك بن ...

المرجو إدخال بريدكم الإلكتروني
لقد تم تسجيل بريدكم بنجاح


محاضرات  -    مالك بن نبي

مقدمة مالك بن نبي لكتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم

عدد القراء : 5408

إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي ؛ يلاحظ أن الحركات التغييرية ، التي قامت منذ عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ، بل منذ عصر الغزَّالي إلى عصرنا هذا لم يكتب لها النجاحُ إلا في بعض التغييرات السياسية ، كالتي حققتها دولة الموحدين في حدود قيامها بالشمال الأفريقي والأندلس ، حيث كان لها على الأقل دورُ المعطل لحركة التحلُّلِ التي ستؤدي إلى سقوط غرناطة .
أما الحركات التغييرية التي قامت في العصور المتوسطة على اجتهاد فردي ، مثل اجتهاد ابن تيمية فإن أثرها لم يبق إلا في التراث الإسلامي حيث تكوَّن التَرَسَانَة الفكرية التي لا زالت تَمُدُّ الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية إلى اليوم .
ولكن لم يكن نصيب الحركات التغييرية المعاصرة بأوفر من السابقات ، سواء كانت قائمة على الاجتهاد الفردي ، مثل دعوة جمال الدين الأفغاني ، أو على جهد منظم ، أو شبه تنظيمي ، مثل الحركة السلفية في الجزائر قبل الحرب العالمية الثانية .
وقد يتأتى تفسير فشل هذه الحركات التغييرية على أنها أتت في مجتمع لم يبق فيه مجالٌ للتغيير بالنسبة للحركات الأولى ، أو لم يُفسح فيه بعد مجال للتغيير بالنسبة للحركات المعاصرة . وهذا التفسير المرحلي يقنع من يؤمن بمراحل التاريخ ؛ أي بالدورة الحضارية ، مثل مؤلف هذا الكتاب .
ولكن الأخ جودت سعيد لم يحاول هنا نقل اقتناعه الشخصي إلى القارئ ، بل نراه كأنه يحاول تخليصه من الحتمية التي يتضمنها هذا الاقتناع .
إن كلَّ قانون يفرضُ على العقل نوعاً من الحتمية تُقيدُ تصرفهُ في حدود القانون .
فالجاذبية قانون طالما قيد العقل بحتمية التنقل براً أو بحراً . ولم يتخلص من هذه الحتمية الإنسان بإلغاء القانون ، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء ، كما يفعل اليوم .
فإذا أفادتنا هذه التجربة شيئاً ، إنما تُفيدنا بأن القانون في الطبيعة ، لا ينْصِبُ أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة ، وإنما يواجهه بنوع ن التحدي يفرض عليه اجتهاداً جديداً للتخلص من سببيةٍ ضيقة النطاق .
وكأنما الأخ جودت سعيد ينقلُ هذه القضية من مجال الطبيعة إلى مجال التاريخ .
إن من يؤمن بمراحل التاريخ مثله قد تستعصي عليه فكرة تطويع التاريخ لمبدأ التغيير ، مع هذا فهو يحاول تخليص مفهوم التغيير الاجتماعي من قيود السببية المقيدة ، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين ، أمثال ج . أ . طوينبي ، الذين يرون أن الأشياء في التاريخ تسير طبقاً لسببية مرحلية .
والأَشياءُ تَسيرُ فِعْلاً كَذَلِكَ إِنْ تُرِكَتْ لِشأْنها .
وإنما الأخ جودت سعيد يعلم ، كمسلم متشبع بالثقافة الإسلامية ، أن التغيير ، أي التاريخ ، يخضع أيضاً لقانون النفوس .
فتصفية هذه المناقضة هي بالضبط محاولة الأخ جودت سعيد ، إننا نراه يتخذ كمحور لكتابه ، الآية الكريمة :
« إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ » الرعد –11- ويتخذ من بعضها عنوان هذا الكتاب .
وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ ، إذ أن المراحل التي تتقبلُ أو لا تتقبل ُ التغيير حسب طبيعتها ، تصبح مراحل قابلة كُلها للتغيير ، لأن الحتمية المرتبطة بها أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس .
                                                  
لقد أشادت أيضاً الحركات التغييرية التي سبقت في العالم الإسلامي بهذه التبرك بكلام الله ، والتفاؤل به ، بحيث لم يكون بيدها في حقيقة الأمر وسيلة تغيير ، أو إذا شئنا قلنا ية الكريمة مُجرد المحتوى الغيبي ، حتى انه يمكننا القول بأن المفعول الاجتماعي للآية ، قد عُطِّل بهذه الطريقة .
ولعل اتخاذ الآية كمحور ، وكعنوان ، لهذا الكتاب يكون له – وفي هذه الظروف بالذات ، حيث تنتهي تجارب الجيل السابق – أثره في تجربة هذا الجيل ، إذا قام بالتغيير الذي لا زال العالم الإسلامي ينتظره .

طرابلس 18 ربيع الأول 1392  2 مارس 1972
مالك بن نبي