نحن نستورد ادوات المدنية ، لكن لا نتعامل معها بشكل حضاري
من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر
ليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي.


الباحث الجزائري الدكتور بدران بن لحسن لـ “الحوار“ :

النّقد في عالمنا الإسلامي عملة نادرة مالك بن ...

المرجو إدخال بريدكم الإلكتروني
لقد تم تسجيل بريدكم بنجاح


  حوارات

الدكتورعبد العزيز برغوث : مالك بن نبي هو ابن خلدون العصر الحديث

عدد القراء : 6362

      عبد العزيز برغوث، مفكر جزائري ، وباحث مختص في دراسات العولمة والقضايا المتعلقة بالإنسان المسلم المعاصر وفي الدراسات الحضارية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لأزيد من 14 سنة. التقاه موقع "شهود.نت" أثناء الندوة الدولية بعنوان: "مالك بن نبي: مفكر شاهد ومشروع متجدد"


عبد العزيز برغوث، مفكر جزائري ، وباحث مختص في دراسات العولمة والقضايا المتعلقة بالإنسان المسلم المعاصر وفي الدراسات الحضارية بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لأزيد من 14 سنة.
التقاه موقع "شهود.نت" أثناء الندوة الدولية بعنوان: "مالك بن نبي: مفكر شاهد ومشروع متجدد" بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده واحتضنتها جمعية النبراس الثقافية بمدينة وجدة خلال شهر نوفمبر الحالي. وناقش معه أفكار مالك بن نبي، وشروط النهضة. فيما يلي نص الحوار:

س:إلى أي حد تشاطر المفكر مالك بن نبي خصوصا في أفكاره الخاصة بـ"شروط النهضة"؟

ج: فكر الأستاذ مالك بن نبي، فكر عميق، وفكر مؤسس على رؤية حضارية عميقة، ومؤسس على أسس سننية، أي أن فكر مالك بن نبي ومنهجه "سنني" يتعلم منه الإنسان الرؤية الحضارية، والنظرة المتكاملة المتوازنة إلى ظواهر العمران، وظواهر الحضارة. وأنا أعتبر نفسي تلميذا صغيرا متتلمذ على فكر الأستاذ مالك بن نبي، في عمقه، وفي منهجيته، وفي مشروعيته.
وفكر مالك بن نبي جاء في وقت لم تكن الأمة بعد مستعدة لالتقاطه واستقباله في ذلك الوقت، لكن، نحن الآن، في ظرف وفي مرحلة تاريخية أصبح فيها فكر مالك بن نبي في اللحظة التاريخية المطلوبة. وبالتالي هناك بعض الأفكار قد نختلف فيها مع المفكر مالك بن نبي، سواء تلك المتعلقة بمنهج دراسة الحضارة، أو المتعلقة بفهمه لسنن الحضارة، بالمقابل هناك مجال واسع جدا أتبنى فيه فكر الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله.

س: من قبيل ماذا؟

ج: من مثل منهجه الحضاري، ويمكن أن أختصر لك منهج مالك بن نبي الحضاري في مسائل:
ـ المبدأ الأول في هذا المنهج، هو أن الوحي أو القرآن الكريم هو أساس كل تحول في واقع الأمة الحضاري.
ـ أن أي فعل حضاري أو فعل تغييري، أو فعل تجديدي ينبغي أن يخضع لرؤية حضارية، و لاستراتيجية حضارية، ولمنهج حضاري، ولفعل حضاري.
ثم إني أتفق فيه مع الأستاذ مالك بن نبي في أن مشكلة الأمة ليست مشكلة سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو أسرية، ولكنها مشكلة حضارية. وعندما نقول إنها مشكلة حضارية، فهي مشكلة الإنسان، ومشكلة الثقافة، ومشكلة الأفكار، ومشكلة المنهج، فهذا كلام وتحديد دقيق، واستيعاب عميق لواقع الأمة ولظرفها ولما تحتاج إليه. فنحن نتفق مع الأستاذ مالك بن نبي في أن نقطة الانطلاق تكمن في وعي الوحي والاتجاه نحو تغيير الإنسان في عقله وشخصيته وثقافته، من أجل أن ننتج ذلك الإنسان الفاعل في التاريخ.

س: انطلاقا من جوابك، هي يمكن أن نعتبر أن مالك بن نبي سبق عصره وأن أفكاره قابلة للتطبيق في وقتنا الحاضر؟

ج: لا شك في أن كثيرا من أفكار مالك بن نبي سواء التي تحدث فيها عن مناهج تحليل مشكلات المسلمين، أو تكلم فيها عن مشكلة الاقتصاد، أو تكلم فيها عن مفهومه للسياسة العادلة، أو تكلم فيها عن مفهومه للأسرة الفاعلة، أو تكلم فيها عن مفهومه للمنهج المطلوب لبناء الإنسان.. هذه الأفكار كلها الآن جاهزة، وإنما تحتاج إلى من يعيها، ومن يفهمها، ومن يحوّلها إلى أدوات، وإلى آليات يفَعِّلُ بها وعي الناس، ويفعل بها الطاقات التي تزخر بها الأمة.
إذن، فالقضية الآن ليست في الفكر، أو في فكر الأستاذ مالك بن نبي، ولكن، فينا نحن، وفي قدراتنا على استيعابه وتحويله إلى حلول عملية. وأقول إن من أهم القضايا في فكر مالك بن نبي هو أن نعلِّم المسلم التفكير المتحرر، والتفكير المبادر، والتفكير الإبداعي، والتفكير التحليلي، والتفكير النقدي الذي يحرر الإنسان، ويحرر وعيه ليبادر. ونبني في هذا الإنسان الإرادة الحضارية، والقدرة الحضارية.

س: في مقابل ما ذكرتم، وبالرجوع قليلا إلى الوراء قبل سقوط جدار برلين، حينما كان الحديث سائدا عن معسكرين: معسكر شرقي، ومعسكر غربي.. وبعد سقوط الجدار، وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وبعده "العولمة"، نجد ثلة ممن يعدّون أنفسهم "حداثيين" انغمسوا انغماسا شديدا في هذا الغرب، وانبهارهم وانقلابهم 180 درجة من الدفاع عن الاشتراكية والفكر الاشتراكي، إلى الدفاع عن العولمة والليبرالية المتوحشتين. في رأيك، ما السر في هذا الانقلاب في التوجهات والاختيارات، وعدم الثبات على المواقف، والقابلية للذوبان والقابلية للاستعمار كما تحدث عنها مالك؟

ج: فيما يتعلق بهذه النخب التي ذكرتها، فهي من جهة نخب يمكن أن تعتَبر ضحية لجهلها، ولعدم وعيها بحقيقة الإسلام، وبحقيقة منهجه، وبقدرة هذا المنهج على تقديم البديل الحضاري. فهم ضحية من هذه الناحية، وهم كذلك ضحية لكثير من المثقفين المسلمين الذين لم يتمكنوا بعد من الوصول إلى مستوى الحوار الحضاري، والحوار العلمي، والحوار الموضوعي مع هؤلاء الناس من أجل بيان حقيقة هذا الإسلام الذي يحمل مشروعا حضاريا، لبناء حضارة متوازنة يجد فيها كل صاحب فكر مهما كان فكره، مكانته ليطور ذلك الفكر، ويتعلم من الآخرين. وهناك عينات من هذه النخب حاقدة على الإسلام، وتعرف أن الإسلام هو الحل، وهو البديل، لكن بما أنها متنفذة وخاضعة لدوائر معينة، فهي تتعمد تحطيم الإسلام، فنقول لهذه النماذج من النخب إنه لن يكون هناك حل إلا بالرجوع إلى هذا الدين.
ويبقى أهم شيء في القضية، هو كيف تستطيع النخبة الإسلامية المتنورة التي تحمل الفكر الحضاري والرؤية الحضارية والمنهج الحضاري أن تخرِج هؤلاء من هذا الجهل، بالتفكير الموضوعي، وبالحجّة والمحجة، وبالمنهج والدليل القرآني والعقلي والإنساني، والاجتماعي، وبالنسبة لي، فالمسألة كلها في قدرتنا العقلية والفكرية والمنهجية على التحرر من الأمراض وعلى الحوار بالعقل وبالعلم.

س: هل يمكن أن نعتبر أن الدعاوى القائلة بالقراءة والتفسير الحداثي للقرآن الكريم هو محاولة لتحطيم هذا الدين من الداخل؟

ج: في الحقيقة هذا الأمر يعبر عن جهل فظيع بالقرآن وبمنهجه المعرفي لأن هذه المحاولات التي يقوم بها هؤلاء تعبر في الحقيقة عن ضعف فظيع في الوعي، وفي الفكر، وفي المعرفة.
وتعبر من جهة أخرى على عدم قدرة هؤلاء على فهم الظاهرة القرآنية ذاتها التي لا يمكن أن نفهمها وفق الأنساق الغربية، أو وفق المناهج التأويلية، أو الدراسات الهرمنطيقية التأويلية الغربية، فهم يطبقون مناهج قد تصلح لدراسة الظاهرة المسيحية، أو لدراسة الظاهرة الدينية في الغرب، ولكن يستحيل للمنهج الذي يطبقه أركون أن يوصله إلى فهم حقيقة القرآن، وإلى فهم المنهج المعرفي للقرآن، لأن المدرسة الأركونية، أو الذين يسيرون في هذه المدرسة ـ مع احترامنا للعلم وللفكر ولاجتهاد هؤلاء ـ قاصرة في مبادئها المعرفية، وفي أدواتها المنهجية.
فالمدرسة التي توظف مفهوم التاريخانية على القرآن، كما توظفه على الظاهرة المسيحية، فهي منهجية سقيمة، ومنهجية يستحيل لها أن تفهم القرآن، ونسقية القرآن، وبنائية القرآن، ومنهج القرآن الذي يتجاوز كونيا ومعرفيا أي منهج على وجه الأرض، ويتجاوزه ليس فقط على المستوى الابستمولوجي والمنهجي، ولكن على مستوى تقديم التجربة الميدانية العملية.
وأعود وأقول: والقضية كلها ترتد إلى النخبة المسلمة، هل تستطيع نخبتنا المتنورة المسلمة اليوم أن تقدم القرآن بهذا العمق، وبهذه الحجة المعرفية والمؤسسة على العلم؟. فنحن لا نخاف من العلم، ولا نخاف من مناهج الغرب، ولكن نقول إن هذه المناهج لم تطور الرؤية المعرفية التي تستطيع بها أن تفهم هذا النص، وتوظفه من أجل تحليل مشكلات المسلمين، أو مشكلات العالم.

س: في هذا السياق ظهرت دعاوى تنادي بتجديد الخطاب الديني ليتَسايَر وروح العصر، ومستجداته. من له الحق في الاجتهاد، وتجديد الخطاب الديني؟

ج: في الحقيقة، كل من يريد أن يكون له حق في هذا الاجتهاد فله ذلك، وكل من يريد أن يجتهد له ذلك، ولا أستطيع أن أقول إن هذا الحق هو في يد الإسلاميين، أو في يد العلمانيين، أو في يد اليساريين، أو في يد القوميين أو غيرهم.
ولكن هناك نقطة، هو في يد من يمتلك المفتاح، من يدخل إلى هذا الخطاب الديني من طريقه الصحيح، ومن أثبت لنا أنه يمتلك القدرة المنهجية والمعرفية التي تستوعب طبائع هذا الخطاب الديني ومصادره المعرفية التي هي الوحي والعقل، والكون والتاريخ، والواقع، إذا استطاع أي مفكر أن يطور رؤية منهجية تستوعب طبائع القرآن، وخصائص القرآن، وطبائع هذه الأمة وخصائص هذه الأمة، فليتقدم مشكورا لتجديد الخطاب الديني، ولكن، من لا يمتلك هذه الأدوات، فهو يحاول عبثا كما نلاحظه الآن في تجارب بعض العلمانيين واليساريين، وسيواصلون هذه المحاولات لمئات السنين، ولكن، أعود وأقول، على النخبة المتنورة من الإسلاميين ومن المسلمين أن تدخل في حوار علمي منهجي مع هؤلاء الناس لبيان الحق، ولبيان المنهج الصحيح.

س: هل تقرّ بقصور الخطاب الديني الإسلامي؟

ج: نعم، في الخطاب الديني الإسلامي هناك بعض القصور، وكنا نتحدث عن هذا القصور قبل عشرين سنة، وخمسة عشر سنة، وعشر سنوات، ومبثوث في كثير من الأماكن، ولكن، وجود هذا القصور لا يعني الفشل التام لهذا الخطاب.
فهذا الخطاب الديني الإسلامي رغم مشكلاته وأمراضه في بعض الأماكن والمناطق، إلا أنه أثبت أنه ما زال يستطيع أن يحمي الأمة، ويرد عنها هذا الحيف، ويرد عنها هذه الحملات الشرسة.
لابد أن نكون موضوعيين بتحديد موطن المرض، ونقر به، ونحدد موطن القوة، ونقول إنه قوة.
ولابد للنخبة المتنورة من المفكرين والمثقفين المسلمين أن يجددوا هذا الخطاب، ولكن تجديدا علميا موضوعيا لا يخضع لضغوط الخارج، ولأمراض الداخل، ولكن يؤَسَّس على مبادئ موضوعية علمية، حتى لو أخذت وقتا طويلا.

س: عرفت مجموعة من الدول الإسلامية حمَّى تغيير المناهج الدراسية، واستهداف مواد التربية الإسلامية. في رأيك ما وراء هذه العملية؟

ج: هذه المسألة الجزئية التي تذكرها الآن: قضية تغيير المناهج الخاصة بالتربية الإسلامية في بعض الأماكن، تعبر عن قضية وعن ثقافة لها أكثر من خمسين عاما في حياة المسلمين، وفي حياة النخبة السياسية في العالم الإسلامي بدون تعميم، وهي معضلة رد الفعل، ومعضلة ضعف التخطيط وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تغير الأمور وتخطط لها وفقا لتطور المجتمع ولتطور ظروفه. لكن، ماذا أقصد برد الفعل هنا.؟ أننا دائما نخضع لإملاءات الخارج، ولظروف الواقع، فنحن لا نصنع الواقع .. كنا نقول منذ زمن: لا بد أن نغير كثيرا من الأشياء في اقتصادنا وفي سياستنا، وفي مناهجنا التربوية حتى تنسجم حركتنا مع سنن البناء والتجديد الحضاري، ولكن، كان لا يُسمع لك إذا قلت هذا الكلام. ولكن عندما تأتي الإملاءات من الضغط الخارجي، أو من ضغط القوى الداخلية، فنبدأ بتغييرات عاطفية، وردود أفعال غير خاضعة لأي تخطيط، إذن هي مرض في العقلية والذهنية، وهو مرض رد الفعل الذي هو معاكس لقضية التخطيط والتنظيم، ومعرفة ما يجب تغييره الآن، ومعرفة ما يجب تغييره غدا، وهل ينبغي أن نلغي برامج بأكملها من المؤسسات، أو أن نطور هنا وهناك، أو نطور المناهج. يعني الأمور مختلطة. فبالتالي فهذه القضايا في رأي تحدث الآن تحت ضغط الظروف العالمية التي تفرضها علينا هذه الحوادث الجديدة التي يسمونها هم "الإرهاب"، ويسمونها هم التخلف، ولا نسميها نحن بهذا الاسم.
ولهذا علينا أن ندرس أوضاعنا سواء في التربية أو في الاقتصاد ... ونضع خطط ورؤى استراتيجية للتغيير على مدى 20 و25 سنة. وفي هذه الخطط لابد أن ندرس نفسية إنساننا والمرحلة التي هو فيها، وظروفه، ثم نغير بالتدريج حتى نصل إلى ما نريده.
أما أن نبقي أنفسنا خاضعين لمنطق رد الفعل، فالكارثة ستبقى دوما هكذا، وسنغير كثيرا من المبادئ والقواعد التي هي جزء من ثقافتنا وحضارتنا وتراثنا تحت هذه الضغوط.

س: هل هذه الأوضاع التي تعيشها الأمة تعتبر بارقة أمل؟

ج: أرى ما يحدث لهذه الأمة إنما هو استدراج إلـهي كما يقول الأستاذ مالك بن نبي، وكأن الله سبحانه وتعالى يستدرج المسلمين من خلال تجارب فاشلة في كثير من الميادين حتى تظهر التجربة الناجحة، وأنا متفائل تماما، وإيجابي، وأرى أن كل هذه الدروس، وكل هذه المحن التي نعيشها ستري لنا الطريق الذي سنسلكه من أجل النهضة الحضارية المتوازنة المتكاملة الإنسانية التي لا تلغي الآخرين، لأن حضارة الإسلام ولأن نهضة الإسلام هي ليست نهضة إقصائية، وليست نهضة استقطابية، وليست حضارة مركزية مهيمنة، ولكن حضارة بديلة يرى فيها الناس بديلا آخر على الأمور التي يجدونها في الواقع، ولهذا السبب، أنا متفائل جدا، ودلائل هذا التفاؤل موجودة في ماليزيا، وموجودة في المغرب، وفي كثير من بلاد المسلمين، وفي العالم.

المصدر: موقع شهود نت 25 / 11 / 2005

حاوره: عبد الغني بوضرة