نحن نستورد ادوات المدنية ، لكن لا نتعامل معها بشكل حضاري
من عادة التاريخ أن لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا وتزعجها حينا آخر
ليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي.


الباحث الجزائري الدكتور بدران بن لحسن لـ “الحوار“ :

النّقد في عالمنا الإسلامي عملة نادرة مالك بن ...

المرجو إدخال بريدكم الإلكتروني
لقد تم تسجيل بريدكم بنجاح


مقالات  -   مقالات بالعربية

الإقلاع الحضاري عوائق و مقومات .. إسقاطات فكر مالك بن نبي

عدد القراء : 2240

      يولي مالك بن نبي أهمية كبيرة للأفكار وتأثيرها على الفرد والمجتمع وبناء الحضارات فالفكر ركيزة هامة في حياة الشعوب، وهو دليل على حيويتها وتقدمها أو على العكس دليل على جمودها وتخلفها لأن نتاج العقل البشري الذي خلقه الله لهذه الغاية فالنجاح الفكري وسيلة للقضاء على الأفكار الميتة لأن "تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار المميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقة".(


بقلم: عائشة أم محمد

من أجل تحقيق النهوض الحضاري للعالم الإسلامي الذي يدعو إليه مالك في كتبه العديدة يجب أولاً معرفة المعوقات الأساسية ودراستها وتحليلها من أجل إيجاد الداء لهذه الأمراض. وكذلك يجب تحديد استراتيجية هادفة مدروسة لمعرفة المعوقات الرئيسة التي يمكن من خلالها تجاوز المرحلة الحالية والتغلب على نواحي القصور من أجل الوصول إلى المنحني الصاعد للحضارة.

معوقات النهوض الحضاري
لقد قام مالك بن نبي بدراسة تحليلية نقدية لأهداف وإنجازات مجتمعه الإسلامي في محاولاته للنهوض الحضاري، بهدف معرفة أسباب فشل هذه المحاولات من أجل القيام بدراسة تعتمد على التحليل التجزيئي المنطقي ثم تقديم هذه الدراسات والأفكار كخلاصة يمكن الاستفادة منها في الواقع. ويقول في ذلك: "فنحن مضطرون أحياناً إلى أن نفكر في هذا النقص الذي أصاب الإنسان، فقعد به عن ملاحقة توقيت التاريخ وأن نفكر في سد هذا النقص".(1)
يرجع مالك بن نبي أسباب تخلف العالم الإسلامي الحديث إلى عدة عوامل مختلفة منها ما هي عوامل داخلية ومنها ما هي خارجية.

فالعوامل الداخلية:
تتمثل في القابلية للاستعمار وهي من المشكلات الرئيسية التي تواجه المجتمع الإسلامي ويرجع مالك هذه القابلية إلى عدة أسباب منها الأفكار الميتة والمميتة التي خلفتها الحضارة(2) و"الأفكار الميتة نتاج إرثنا الاجتماعي تولّد قابلية الاستعمار"، "الأفكار المميتة مستعارة من الغرب تولّد الاستعمار"(3) وعدم استخدام المسلم ما تحت يده من وسائل استخداماً مؤثراً وبذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته مما نتج عنه شلل النشاط الحضاري.
كما يصور لنا النتائج المترتبة على غلو النفسية المسلمة المعاصرة في تقويم مشاكلها حيث تنظر إليها في صورة نوعين من (الذهان)(4) فيتم مواجهتها بالاستحالة أو الصعوبة.
وقد ضرب لنا مثلاً بالجزائر عندما اعتبر أن الاستحالة قامت هناك على ثلاثة قواعد أسماها بـ (الأدوار) الغنائية الثلاثة: وهي الجهل، الفقر، ووجود الاستعمار وهي العملة الشائعة التي يفسر بها حسن النوايا عجزهم.(5) لأن الحقيقة هي خلافاً ذلك فالقضية "ليست قضية فقر، وإنما هي أمر يتعلق بأساس مشكلاتنا، فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات، وندرك أن القضية قضية حضارة، وما الفقر والغنى، ولا الجهل والمرض إلاّ أعراض لتلك المشكلة الأساسية".(6)

العوامل الخارجية:
وهي تتمثل في وجود الاستعمار أو "أسطورة الاستعمار" كما يسميها مالك بن نبي.
فيرى أن الاستعمار يسحق بصورة منهجية كل جهد فكر، وجهد عقلي وكل ما من شأنه أن يتيح لحياة أبناء المستعمرات مخرجاً أياً كان "فيحول بين الشعب وبين إصلاح نفسه"(7) فيحيط من قيمته الخاضعين لقانونه بطريقة فنية، دون التأثير في قمة الفرد الأساسية إذ أنها لا تخضع لحكمه، ولكن مع ذلك نجد الفرد عاطلاً خامداً حتى في الميادين التي لا توجد فيها شبهة الضغط الاستعماري.
ولكي نصدر حكماً صادقاً هنا فإنه ينبغي علينا أن ندرك أن الاستعمار ليس هو السبب الأول الذي نحمل عليه عجز الناس وحمول عقولهم وإنما هي القابلية للاستعمار التي يقوم على أساسها الاستعمار حقيقة. أي أن هاتين الفكرتين متلازمتين: الاستعمار والقابلية للاستعمار. لأن الاستعمار يعين الشعب على التغلب على قابليته له، لتنقلب إلى رفض في ضمير الشعب المستعمر، فيحاول جهده التخلص منها.(8) فهناك نتيجة منطقية وعلمية تفرض نفسها علينا وهي أنه لكن نتحرر من الاستعمار يجب أن نتحرر أولاً من القابلية للاستعمار.
وبالإضافة إلى ما سبق قوله فإن هناك عنصراً آخر وهو "عقدة التسامي"(9) وهي مشكلة يعاني منها بعض أبناء الدول الإسلامية لأنهم لم يحاولوا أبداً غربلة الأفكار المستوردة والاستفادة من الأفكار الحية التي استطاعت بعض الشعوب بفضلها بلوغ أعلى مراحل التطور في وقت وجيز.(10) فيقول مالك في ذلك: "لا يمكن لحضارة أن تنشأ في أنبوبة مغلقة لا يأتيها شيء من الخارج".(11)
ولا يرى مالكاً أن الدين أو التوحيد يمثل عائقاً للنهوض الحضاري كما يتخيل البعض، بل إنها على العكس من ذلك، تعتبر دافعاً له وضرورة حتمية لقيام المجتمع الحضاري فيقول: "إننا نلمس ثغرة تعزي للنهضة الإسلامية التي وضعت بطريقة ضمنية مشكلة متعلقة بالإيمان في مكان غير مثارة فيه، فالمسألة لا تتمثل في تلقين أو في إعادة تلقين المسلم عقيدته، ولكنها تتمثل في إعادة تلقينه استخدامها وفعاليتها في الحياة".(12)

مقومات النهوض الحضاري
تتطلع النفوس في العالم الإسلامي للنهضة، ولكن بسبب الهوة الكبيرة بين قيم الفكر الإسلامي، وواقع المجتمع الإسلامي، فإن كثيراً من القيم خضعت لتأثيرات غربية منافية لروح التوجه في هذه البلاد. فالنهضة ليست نقل الأساليب والطرق الأجنبية لمجرد نجاحها في بلد المنشأ، والسير على نهجها في بلادنا الإسلامية، لأن هذا يعتبر ضلالاً عن الطريق ليس بعده ضلال. فلكل مجتمع أدواته وأساليبه التي يعتمد عليها في بناء حضارته.(13)
فالحلول الفنية ينبغي إذن أن تتكيف مع نفسية البلد الذي تطبق فيه ومع مرحلة تطوره.(14)

مفهوم التغيير:
فللوصول إلى الحضارة المرجوة، خطوات وأولويات يجب تحقيقها حتى تكون الحضارة مبنية على قواعد راسخة متينة ومعظم هذه التغييرات يجب أن تحدث أولاً في الفرد نفسه قبل أن نرى أثرها في الواقع الاجتماعي. وفي رأي مالك فإنه: "لتحقيق التغيير لابدّ من تغييرين، تغيير القوم، وتغيير الله، .. كما لابد من أسبقية التغيير الذي يحدثه القوم. إلاّ أن بين هذين التغييرين ترابطاً، فإذا وقع التغيير الذي يخلقه الله، دل ذلك قطعاً على أن التغيير الذي يقوم به القوم، قد سبق أن حدث، لأن الله تعالى اشترط هذه الأسبقية... ولكن علينا أن ننتبه إلى أن هذا التعهد إنما هو مجال القوم.. لا في مجال الفرد".(15)
وما يؤكد على هذا القول هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.(16) فالآية هنا تشمل كل الناس لأنها جاءت بكلمة (قوم) دون تخصيص لقوم معين.
فالمشكلة هي مشكلة فرد يعيش في مجتمع، لا مشكلة دين، وهي مشكلة عامة في جميع البلاد الإسلامية فلكي تبدأ عجلة التغيير في الدوران لابد من معرفة سنن التغيير لما بالأنفس، وكذلك معرفة ما ينبغي أن نغيره بالإضافة إلى معرفة الأشخاص الذين يجب محاولة تغييرهم باختلاف شخصياتهم وبيئاتهم لأنهم يشتركون في أصل البلاء.(17)

من التكديس إلى البناء:
إن العالم الإسلامي بدأ يتجه إلى جمع الأكوان من المنتجات الحضارية أكثر من اتجاهه إلى بناء حضارة وهو ما يسمى بالتكديس فينتهي بنا الأمر إلى ما أسماه مالك بالحضارة الشيئية.(18) أي أن التكديس لا يعني البناء لأن البناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة التي تكون منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكون الحضارة.(19)
وقد يتساءل شخص ما الذي نأخذه من الحضارة الغربية؟ وللإجابة على ذلك يقول مالك: "إن علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية الأدوات التي تلزم في بناء حضارتنا... حتى يأتي يوم نستطيع فيه الاستغناء عنها يمنتجاتنا".(20)

دور الأفكار في البناء الحضاري:
يولي مالك بن نبي أهمية كبيرة للأفكار وتأثيرها على الفرد والمجتمع وبناء الحضارات فالفكر ركيزة هامة في حياة الشعوب، وهو دليل على حيويتها وتقدمها أو على العكس دليل على جمودها وتخلفها لأن نتاج العقل البشري الذي خلقه الله لهذه الغاية فالنجاح الفكري وسيلة للقضاء على الأفكار الميتة لأن "تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار المميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقة".(21)
وكذلك فإن انحراف الأفكار عن مجرها بالنسبة للأفكار الجوهرية تبين لنا مقدرا عدم فعالية المجتمع مما يؤدي إلى الزيغ من جيل إلى جيل عن طريق الامتصاص وتعتبر الأفكار في هذه الحالة هي الجراثيم التي تكون كالعدوى الاجتماعية لنقل الأمراض. فينعكس المرض على المجتمع، وأحياناً قد يحدث انعكاس الفكرة المردودة فيعود ذلك بالخير بسبب اكتشاف بطلانها.(22)
ولذلك رأى مالك الاستعمار دائماً يحاول القضاء على الأفكار البناءة التي تؤدي إلى وعي الشعب بمخاطر وجود الاستعمار مما يهدد هذا الكيان الاستعماري.

مفهوم الفعالية:
يرى مالك بن نبي أن الفعالية تعد إحدى خصائص العقل الغربي. والعقل الغربي يخضع لمبدأ الفعالية(23) كما يرى أن الفعالية تكون على المستوى الفردي والاجتماعي. فالفعالية على المستوى الاجتماعي تعني القدرة على توليد ديناميكا اجتماعية وذلك بالدخول في تخطيط منهجي لا يحتوي خليطاً من الأفكار المتناقضة.(24)
إن ما يفصل المجتمعات في هذا القرن هو مدى فعاليتها التي تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر، فأصحب عنصراً أساسياً في فلسفة العصر، التي تعني بتقدير الكم.(25) حتى أن التقدم أو التأخر الحضاري يمكن أن يلاحظه الإنسان من خلال ملاحظة عامل الفعالية أي أنه بوسعنا "ان ندرس حضارة ما، بملاحظة الطريقة التي يتبعها الإنسان ليتفاعل مع بيئته".(26)

الهــوامش:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص99.
(2)  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص83.
(3)  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص146.
(4)  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص88.
(5)  المرجع نفسه، ص89.
(6)  مالك بن نبي، تأملات، ص167.
(7)  المرجع نفسه، ص110.
(8)  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص108ـ117.
(9)  المرجع نفسه، ص87.
(10)  عكاشة، ص82.
(11)  تأملات، ص196.
(12)  مالك بن نبي، آفاق جزائرية، ص186، أخذاً عن الخطيب، سليمان، ص246.
(13)  السحمراني، ص181.
(14)  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص45.
(15)  سيعد جودت، حتى يغيروا ما بأنفسهم، تقديم مالك بن نبي (دمشق: مطبعة زيد بن ثابت الأنصاري، ط6، 1984)، ص79.
(16)  سورة الرعد، آية 11.
(17)  المرجع السابق، ص37.
(18)  مالك بن نبي، شروط النهضة، ص48.
(19)  مالك بن نبي، تأملات، ص167.
(20)  المرجع نفسه، ص170.
(21)  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص83.
(22)  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص158.
(23)  بن نبي، مالك، فكرة الإفريقية الآسيوية، ترجمة: عبد الصبور شاهين (دمشق: دار الفكر، ط3، 1992)، ص19.
(24)  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص97.
(25)  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص113.
(26)  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص61.

موقع الشهاب