ها نحن اليوم نخلد الذكرى المئوية لميلاد المفكر
المجدد مالك بن نبي رحمه الله في رحاب هذه المؤسسة الثقافية العريقة جمعية النبراس
الثقافية.
و مع هذه الوقفة، نخلد ميلاد المشروع الفكري
الحضاري لهذا المفكر. هذا المشروع الذي عرف النور أواسط الخمسينات وسط زحمة
الاستعمار و الظلم و التخلف و الصدام الثقافي و الغزو الفكري، لكنه رغم ذلك اتسم
بسعة التواصل و سماحة الروح و منهجية الفكر. لقد أصر مالك بن نبي أن يكون علميا
موضوعيا منصفا في مشروعه بنفس القوة التي أنتجها عنف اصطدام الغرب بالشرق. فقد عرف
الإنتاج الفكري المولود في هذه الظروف قبل و بعد مالك كثيرا من الانفعال استسلاما
للغرب أو استعداء له.
إذن، أيها الحضور الكريم، نحن اليوم نخلد ذكرى فكر
استطاع أن يستلهم من الظاهرة القرآنية ومن مشكاة النبوة أسباب و مقومات
الاستمرارية و العالمية و التجدد. أو ما اصطلحنا عليه في هذه المداخلة "
الراهنية". أي أن ابن نبي استطاع أن يجعل أفكاره مطبوعة حية حتى و إن تم
خذلانها لعقود عدة.
إننا إذن إخوتي، أخواتي مع مفكر شاهد كما جاء في
شعار الندوة الدولية هذه: مالك بن نبي، مفكر شاهد و
مشروع متجدد. مفكر شاهد على عصر وعلى شكل
من الحضارة عامة لأن الفكر الذي تأسس عليه هو فكر متجدد، كلما لامس قضايا عصر من
العصور أو كتل من العقول تجدد لأنه تأسس على قواعد و سنن الوجود و الظاهرة
الاجتماعية. يقول عنه زكي الميلاد في كتابه: مالك بن نبي و مشكلات الحضارة:"
و يشكل إنتاجه الثقافي إضافة فكرية مكثفة و عميقة ساهمت بجدية كبيرة في تطور الفكر
الإسلامي المعاصر و الارتقاء بنظراته بما يتناسب و مشكلات الحضارة في العالم
الإسلامي ." و يقول عنه شايف عكاشة في كتاب " الصراع الحضاري في العالم
الإسلامي": مالك بن نبي الذي انفرد إلى حد ما بمنهجه العلمي المنطقي في دراسة
ماهية الحضارة، ويتجلى هذا الانفراد في النظرة الموضوعية التي عمل من خلالها على
تحليل طبيعة الحضارة الإنسانية."
|
|
إن مركزية المقاربة الحضارية للظاهرة الاستعمارية في فكر مالك بن نبي دليل على أصالة هذه الراهنية حيث لازال سؤال القابلية للاستعمار مطروحا حيال قضايا أمتنا خاصة ما يحصل الآن في العراق وأفغانستان وفلسطين و غيرها، كما أن عودة مشروع الاحتلال والاستعمار المباشر في العلاقات الدولية للغرب دليل على راهنية هذا الصرح الفكري. |
إذن فالوقوف في هذه المناسبة ليس كمثله في مناسبات
تكريم العلماء بالتأكيد، بل نحن أمام وقفة شهود و تجديد. إذن إن المشروع الحضاري
لمالك بن نبي رغم تقدمه الزمني قبل عشرات السنين، فإننا على المستوى الحضاري نريد
من خلال هذه الندوة استشرافه في المستقبل لأنه فعل مشروع يسبقنا على مستوى طرح
الحضارة و مقاربة مشكلاتها.
إن هذه المداخلة إذن ليست نظرة إلى الوراء بل هي
تواصل مع فكر مستقبلي له راهنية و" حداثة" بمصطلح الآخرين الذي لا أجد
له معنى.
مفهوم الراهنية :
إن حديثي
عن راهنية فكر مالك بن نبي ليس عملية إسقاط تعسفي هدفها إلحاق هذا المفهوم بذاك
الفكر. بل إن المشروع الحضاري لمالك يحمل كل جينات و خصائص هذه الراهنية و هو كل
ما سوف يتوضح لاحقا.
و نحدد جيدا ما نقصده بمفهوم " الراهنية
" حتى يتم استيعاب مشروعية الورقة. و إذا كان الراهن في معنى آخر يعني الواقع
و الموازي زمنيا لوجودنا فإن مصطلح الراهنية يتجاوز هذا المفهوم لينبه خاصة إلى
قابلية فكر ما للتجديد الايجابي بذاته أو بغيره و قابليته للتواصل البناء مع قضايا
الراهن تحليلا و تفسيرا وتفعيلا و إبداعا. إن الراهنية تتجاوز الوجود الزمني و
التلازم المكاني لتعبر عن استمرارية الجدة و الشهود في واقع تفصله مسافة عن زمن
الميلاد و دواعي التأسيس. و كلما تخلص الفكر - أو عالم الأفكار على حد تعبير
المفكر ابن نبي- من تشخيصات و تمثلات النموذج المحدد مكانيا و وزمانيا أو ارتبط
بالقيمة ( المتحررة معرفيا)، فإن هذا
الفكر يكتسب هذه الصفة أي الراهنية .
بهذا المفهوم تكون الراهنية أقرب إلى التعبير عن
ثنائية الأصالة و المعاصرة، لكن أكثر تعبيرا منها كما هي في عمقها نقض لخرافة" الحداثة" رغم ما يظهر
بينهما من تماثل ، ذلك أن الراهنية من استمرار في الزمن دون قطيعة أوانقلاب
أوتفكيك كما تريد الحداثة. فالراهنية تستوعب ما عجزت عن استيعابه الحداثة ألا و هو
حركية و صيرورة الفكر الثابت في متغير الزمن .
هذه الراهنية - التي شدت انتباهنا ونحن نغوص في المشروع الحضاري لمالك بن نبي منذ القراءات
الأولى بعد اكتشاف هذه الموسوعة الفكرية -
هذه الراهنية مفقودة في كثير من المشاريع الفكرية التي رغم قوتها في لحظتها
فقدت وظيفتها المنهجية و الاجتماعية بمجرد اصطدامها براهن جديد و انتقالها إلى
مجال زماني أو مكاني آخر.
إن قيمة الأصالة والبحث في بدايات التأسيس و
الميلاد تزداد أهمية نفسية ومنهجية إضافة إلى الرمزية مع المشاريع ذات الراهنية
القوية، كما هو الشأن بالنسبة للدعوة المحمدية وميلاد المجتمع الإسلامي. بهذا
وفهما أكثر للقيمة الأساسية للزمن في تركيب كل تجربة ثقافية لميلاد الحضارة، فإن
مفهوم الراهنية مفهوم مؤسس لقيمة العالمية الإسلامية من منطلق توفير جو مكثف
للاتصال و التواصل.
و ما الزمن الذي ولدت فيه هذه الندوة إلا دليلا
على هذا، فإضافة إلى ذكرى ميلاد المفكر فالزمن زمن شهر رمضان المبارك وذكرى حرب
رمضان / أكتوبر73 التي انتصر فيها العرب على عوامل قابليتهم للاستعمار قبل
انتصارهم على العدو الصهيوني، كما أننا في المغرب نحتفل بالذكرى الخمسينية
للاستقلال أي طرد المستعمر من أنفسنا.
إن مركزية المقاربة الحضارية للظاهرة الاستعمارية
في فكر مالك بن نبي دليل على أصالة هذه الراهنية حيث لازال سؤال القابلية
للاستعمار مطروحا حيال قضايا أمتنا خاصة ما يحصل الآن في العراق وأفغانستان
وفلسطين و غيرها، كما أن عودة مشروع الاحتلال والاستعمار المباشر في العلاقات
الدولية للغرب دليل على راهنية هذا الصرح الفكري.
|
|
لايمكن لمشروع فكري صاحبه هذا المفكر الشاهد إلا أن يكون مشروعا متجددا له قابليته لامتلاك نظرة ثاقبة للقضايا الأساسية التي تناولها دون أن تجره إلى زمنها بل نقلها إلى الأزمنة المتلاحقة كمفهوم الاستعمار والتحضر والإصلاح والسياسة و الوحدة وغيرها من المفاهيم المتجددة |
محددات راهنية فكر ابن نبي
يمكن تلخيصها فيما جاء في شعار الندوة: مالك بن
نبي المفكر الشاهد و المشروع المتجدد" فمالك بن نبي لا يزال حيا شاهدا على
واقعنا بعد أكثر من 30 سنة من وفاته بدليل هذه الندوة ذاتها و غيرها من المشاريع
الإعلامية والعلمية التي ظهرت هذه الأيام وتناولته.كما أن مشروعه المتجدد في دراسة
مشكلات الحضارة من منظور القيمة الدينية
والحاجة الأخلاقية يتقاطع مع الكثير من المشاريع التي تنطلق من منطلق
الأصالة أوالحداثة .
إن هذا التجدد يأخذ تميزه وسره من تقدم مالك إلى
المساهمة في الحضارة أو الانتساب لها دراسة للغرب اغترابا واستغرابا.
إن هذا الموقع المتقدم في الانخراط في الحضارة و
هو التفكير في مشاكلها وحلولها، لهو محدد واضح لراهنية مالك و فكره و هو الموقع
الذي ارتضاه القليل من فلاسفة الحضارة ورموزها.أما الكثير من متكلمي الحضارة و
مرتزقيها فإن حضورهم لا يزيد عن صنع مشاكل الحضارة وخلق الأفكار الهامشية ثم
الذوبان.
المفكر
الشاهد :
لاشك أن مالك بن نبي حلقة واحدة من حلقات الفكر
الإصلاحي وجزءا من مسيرة التفكير الإسلامي المعاصر على حد تعبير الدكتور زكي
ميلاد، غير أن انشغاله و اشتغاله بمسألة الحضارة من منظور تكاملي تواصلي أعطى
الأسبقية للمنهج والثقافة ،وجعله حاضرا في كثير من الكتابات المعاصرة دون أن يتم
استهلاكه كما حصل مع كتاب آخرين ،حيث بقي مالك ممتنعا دائما على الاستهلاك.وهذا هو
الشيء الذي جعله شاهدا حاضرا مراقبا لحركة الفكر الإسلامي الذي يرجع إليه في
المفاهيم الكبرى وتحديد الرؤية.
المشروع
المتجدد:
لايمكن
لمشروع فكري صاحبه هذا المفكر الشاهد إلا أن يكون مشروعا متجددا له قابليته
لامتلاك نظرة ثاقبة للقضايا الأساسية التي تناولها دون أن تجره إلى زمنها بل نقلها
إلى الأزمنة المتلاحقة كمفهوم الاستعمار والتحضر والإصلاح والسياسة و الوحدة وغيرها
من المفاهيم المتجددة . إن التجدد ملازم للشهود ومصيبتنا في واقعنا أن مفهوم
التجديد عندنا يعني القطيعة و الانفصال وترك مشروع لصالح مشروع آخر دون أن يتحقق
التراكم والاستمرارية.
مقدمات راهنية فكر مالك
و نقصد بها العناصر التي تأسس عليها فكر مالك بن
نبي و كانت عنصر القوة الذي خلق فيه جينات الراهنية.
التصور القرآني و مرجعية الوحي :ليس مالك بن نبي مجرد طالب حضارة بل هو قبل ذلك
تلميذ الدين الإسلامي الذي يمتد بحره إلى أبعد من التجربة الحضارية الإنسانية..
إلى امتدادات اليوم الآخر والحياة الأخرى.
إن تلازم الدين و التحضر أمر أساسي في فكر مالك،
فلا تحضر دون دين ولا دين دون وظيفة اجتماعية.
إن الفهم الحضاري للإسلام و الوحي جعل مالكا يستمد
منهما – الدين والتحضر - عنصر الراهنية والعالمية. فراهنية فكر مالك من راهنية
المنهج الإسلامي.
المقــاربة الحـضارية:
فالمفكر
مالك هو ابن حضارته الإسلامية كما أنه خبر الغرب والشرق معا.
حيث انتقل إلى الغرب و درس به و أتقن لغته و
ثقافته مما جعل مقاربته أكثر حضارية بعيدا عن التفكير الذري التجزيئي، كما يسميه .
فهو شاهد القرن كما عبر عن نفسه شاهد يؤمن بوحدة الحضارة و وحدة المنهج الذي
يحللها، آمن بالكتاب كله وأرخ لتاريخ الوحدانية.
القيمة الدينية والاجتماعية:
لقد بحث
مالك عن الوظيفة الاجتماعية للدين ودعا إليها مما جعل فكره فكرا راهنيا متجددا لا
يقف عن التفاسير السابقة ولا الأحكام الفقهية المجردة.
الاستئناف الحضـــاري:
الرؤية
الشمولية للحضارة بصفتها وحدة متكاملة جعلت فكر مالك بن نبي فكرا متشبعا بمنهج
الاستئناف والتكامل الذي اكتسبه من خلال تجرده العلمي وتتلمذه على كتابات ابن
خلدون في العمران البشري.
المنهج
التســـاؤلي:
|
لا يعطي
مالك بن نبي أحكاما جاهزة بل يطرح أسئلة محددة من صلب الراهن ليخلص إلى إجابات
متجددة متكاملة ذات قيمة عالية من العمق والراهنية والإجابة، ويشعر القارئ
لكتاباته أنه يشارك في الإجابة عن هذه الأسئلة والخروج بتلك الأجوبة العلمية.
|
|
إن تلازم الدين و التحضر أمر أساسي في فكر مالك، فلا تحضر دون دين ولا دين دون وظيفة اجتماعية.
إن الفهم الحضاري للإسلام و الوحي جعل مالكا يستمد منهما – الدين والتحضر - عنصر الراهنية والعالمية. فراهنية فكر مالك من راهنية المنهج الإسلامي
|
الجدية الوحــدويــة :
لقد كان مالك وحدويا من الشعور حتى اللاشعور مما
جعله متحررا من التجارب التاريخية والقطرية، رغم تناولها كنماذج غير أن خلاصاته
كانت عامة وشاملة.
التكيف الإيجابي:
فرغم
تفكير مالك في زحمة الاستعمار فإنه لم يفقد اتجاهه ولا صوابه ولا راهنيته، بل حافظ
على نظرته العلمية الموضوعية رغم عنف الاستعمار.
إننا إذا نؤكد من خلال هذه المداخلة على جدة و
راهنية فكر مالك بن نبي، فنحن لا نحاول زرع الروح في جسد ميت، ولا الترويج لأصنام
فكرية بل الهدف هو إنصاف هذا المفكر الذي على الأمة خاصة أن تستفيد من تجربته ،
والبشرية –عموما-عليها الاستفادة من هذا المشروع الإصلاحي النهضوي الحضاري إلى
جانب المشاريع الأخرى.
لقد حاولنا في هذه المداخلة الالتزام بمقارنة
واعية هادئة كما ، أي النظر إلى الموضوع باعتباره مشروعا يحتاج إلى حسن النظر
والتقدير لا بصفته أسطورة يجب خلق الخرافات والتعاطف الزائد حولها ولا قضية تفرض
على الباحث أن يكون مقاتلا أعمى في سبيلها أو لنقل في سبيل توظيفها.
رحم الله الشهيد الشاهد مالك بن نبي الذي أخلص
الشهادة للأمة الإسلامية خاصة ، والإنسانية عامة، حيث لم يرخص لنا أن نكون مستهلكي
الحضارة كما يريد الحداثيون ولا حتى طلاب حضارة أو صناعها فقط، ولكن أيضا شاهدين
عليها وعاملين على حل مشكلاتها وتقويم مسارها، وبارك الله في كل العاملين على
إحياء ثراته وحسن توظيفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أستاذ في التخطيط التربوي بوزارة التربية والتعليم
وباحث في علوم التربية والتواصل الحضاري – وجدة – المغرب
المصدر:ندوة
مالك بن نبي: مفكر شاهد ومشروع متجدد التي نظمتها جمعية النبراس الثقافية بوجدة
/المغرب أيام 11/12/13 نوفمبر 2005